هل الروائي الذي كتب اليوم رواية (1970) هو ذاته من كتب في الماضي رواية (نجمة أغس…

حمزة قناوي

صنع الله إبراهيم: شاهِد العصر والتحولات

"

هل الروائي الذي كتب اليوم رواية (1970) هو ذاته من كتب في الماضي رواية (نجمة أغسطس)، أو (اللجنة)؟ ربما هو الروائي الأقرب إلى (ذات) و(شرف)  (مستعيناً بالمادة التي استطاع أن يكتشفها في "إنسان السد العالي" في الوقت ذاته)، ومن حيث التقنية والتكتيك الفني هي روايةٌ منحازةٌ فنياً لأحد الأشكال التوثيقية التي اكتشفها عبر رحلته لتقول عنه ما لا يريد التصريح به، كل ذلك يجعلنا نطرح السؤال الجوهري: ما «وقائع الوعي» التي يُقدمها الكاتب هنا؟ وعبر انحيازه إلى من؟ وضد من؟

سنسير بالتدريج مع هذا التكثيف التقني والاختيار والحذف في الأدوات التقنية في الرواية، لندلف من التاريخ الذي يحمل دلالاتٍ التباسيةً ومحمل بروح تاريخية مسكونة بالجرح الغائر في الضمير العربي، وبالانتصار – المؤقت- للكيان الصهيوني ومن خلفه كل قوى الاستعمار الغربي، لنجد أن صنع الله إبراهيم لم يضع أي عتباتٍ فاصلة في المنتصف بين العنونة ومتن الرواية، يدلف إليها مرة واحدة، هكذا يقول:

"أول يناير... غارة إسرائيلية على مدينة إربد" تخلف 11 قتيلاً أردنياً بينهم 6 أطفال.

القيادة الأمريكية في فيتنام الجنوبية تعلن أن الولايات المتحدة خسرت العام الماضي في معارك فيتنام 9250 قتيلاً و69 ألف جريح و470 طائرة و1000 هليكوبتر.

الراقصة "ناهد صبري" لم تتمكن من الوفاء بتعهداتها للرقص ليلة رأس السنة، رقصت في 19 حفلاً من 23 حفلاً تعاقدت على الرقص فيها، وذلك بسبب إصابتها بجرح في مشط قدمها اليسرى، يجري لها الدكتور «يحيى الكاتب» غرزتين اليوم ثم تواصل الرقص معتمدة على قدمها اليمنى.

ضربات عنيفة للمقاومة الفلسطينية في بداية العام الجديد.. مهاجمة 5 مستعمرات في الجليل.

خطر تجدد الأزمة بين السلطات اللبنانية والمقاومة الفلسطينية.

شركة اسطوانات صوت القاهرة تقدم:

"ليلى نظمي".. "ادلع يا عريس".

58 % ممن يهاجرون من مصر علماء ومهندسون .. 70% منهم من حملة الدكتوراه.

شركة "وجدي فيلبس" للملابس المستوردة الجديدة وكالجديدة.

كوفية صوف إنجليزي من 15 قرشاً إلى 75 قرشاً.

يرى (رامان سلدن) أن من أهم ما كشفت عنه نظرية الأدب المعاصرة في تعاملها مع النصوص الحكائية بعامة، والروائية بخاصة هو التفرقة بين "الحكاية" و"الحبكة"<a href="#_ftn1" name="_ftnref1" title=">[1]، بيد أن المشكلة التي نواجهها هنا، وبهذا الأسلوب التوثيقي منذ البداية، والذي يسرد بالأيام والتاريخ لسنةٍ معلومٍ مسبقاً ما حدث فيها، أنّ كل ما يقوله المؤلف هنا هو أمرٌ معروفٌ تقريباً بالنسبةِ للقارئ، بل لا يختلف دورُ الحكي هنا عن كونهِ قام بتجميع هذه الأحداث المعروفة مسبقاً في شكلٍ يشبهُ شكل اليوميات، أو شكل الأجندة اليومية لأحداث معينة، وبالطبع تعمل هنا آلية السرد على الانتقائية، فهو لا ينقل لنا كل الأحداث التي دارت في اليوم، ولكنه ينقل مجموعة مختارة من الأحداث، ويصدر عناوينها ويقيدها معا، أين إذن «الحكاية» من «الحبكة» هنا؟ أين الشخصيات والوقائع والأماكن؟ هنا يمكن القول إن عناصر السرد الأساسية المعتاد عليها في أي عمل روائي ليست موجودة في ثنايا النص، حتى أننا يمكن أن نشعر أننا لسنا أمام عمل روائي، بقدر ما نحن أمام عمل توثيقي تاريخي منتقى بعناية شديدة، وبجهد جبار، اعتاده صنع الله إبراهيم في العديد من أعماله الروائية بتقنية الكولاج الروائي، غير أن هذه التقنية كانت في السابق تأتي على خلفيةِ الأحداث، وتُكمِلُها لتصبحَ مجموعةَ الأخبارِ التي يتم جمعها وتقديمها داخل الرواية، إطاراً موجهاً للتلقي وللتأويل، لكنَ الأمر يتطورُهنا لتصبح الأخبار التي يتم جمعها وتقديمها، يصبح "الكولاج"نفسه، هو الرواية نفسها تقريباً.

لكن هذا الأمر له أسئلةٌ وإشكالاتٌ عديدة، فالعودة للكولاج التأريخي بهذه الطريقة يجعلُ مسارَ السردِ ملتبساً على القارئ، فنحن لا نعرف إن كان يقدم روايةً، لها هدفٌ روائيٌ حقيقيٌ من الإمتاع الجمالي والرؤية الفنية، أم يقدم كتاباً تاريخياًيقدمُ وقائعَ ومعلوماتٍ تاريخية ذات هدفٍ معرفيٍ هو ترك الحكم للقارئ على السنوات الأخيرة من حكم جمال عبد الناصر وما آلت إليه تطلعاته؟أين نجد وجهة النظر وزاوية الرؤية مثلاً في مثل هذا السياق؟ هل نحن أمام حالة «صفرية»  من حالات التبئيرِ بتعريف (جيرار جينيت)<a href="#_ftn2" name="_ftnref2" title=">[2]؟ أم أمام تبئير أكبر صارم بدأ منذ بداية اختيار عنونة الرواية بتاريخ الانكسار لجمال عبد الناصر؟

لم يتبقَ من عناصر إضفاء الحبكة على الحكاية سوى الراوي العليم، الذي يروي بتقنيةٍ مخاتلة، تقنية عليمة بكل شيء من ناحية، لكنه في الوقت ذاته ينطلق من داخل ذات جمال عبد الناصر من ناحية أخرى، أي أنه وهو يتحدث بموثوقيةٍ مطلقةٍ من العلم والمعرفة، فإن حدودَ هذه الموثوقية هي في داخل نفس جمال عبد الناصر، مثلاً عندما يقول الراوي: "في نفس اليوم سنة 1967- وفي حركة مسرحية أقرب إلى المسرحيات الهزلية- قاد الملك حسين طائرته الخاصة إلى القاهرة ليعلن لعبد الناصر أن التزامه القومي هو الذي دفعه لنسيان الماضي وإعلان تضامنه التام مع القاهرة ورغبته في تشكيل قيادة مشتركة على الجبهة الأردنية، يقودها قائد مصري والفريق عبد المنعم رياض بالتحديد. كنت تعرف أنه يتقاضى مليون دولار راتباً شهرياً من المخابرات الأمريكية ومع ذلك سايرته وفعلاً تركت عبد المنعم رياض يصحبه في رحلة العودة إلى الأردن".

لم تكشف الصحف الغربية عن هذه القضية الخاصة بالملك حسين إلا في عام 1977 بحسب ما نُشِر في الصحفِ العالمية، ومن ثم فإن الحكم بمعرفة جمال عبد الناصر بهذا الأمر هو حُكمٌ يحتاجُ لمزيدٍ من التثبتِ والأدلة، وبما أن الشكل المقدم به المعلومات هنا هو شكل الراوي العليم، والرواي الذي يدخل في ذات عبد الناصر دون باقي الشخصيات الواردة في الرواية، نسجل هنا ملاحظة أن الشخصيات التي يتم استحضارها في الرواية هي الشخصيات التي اقتضت الظروف أن تكون في واقع محيط عبد الناصر في هذا التوقيت، إذن هي بالأساس رواية عنه، بيد أنه وعلى نقيض الفيلم السينمائي الشهير (ناصر 56) فإننا هنا بمواجهة (ناصر 70)، وهو أمرٌ شديدُ الانتقائية للحظة شديدة الحساسية.

وبخلاف اللغة المتفائلة المُقبِلة التي كتب بها صنع الله ابراهيم (نجمة أغسطس) فإن اللغة هنا انكساريةٌ ومنهزِمَة، بمرارة هزيمةٍ مستمرةٍ منذ 1967 حتى اليوم، وهو ما يجعل الجرح المتناول في الرواية عميقاً جداً.

السمة الفنية الثابتة والواضحة على امتداد العمل أن الروائي يقدم هنا عملاً تاريخياً أكثر من كونه عملاً روائياً وفق أسس ومفاهيم الرواية الكلاسيكية، عملاً مدعماً بالكولاج  الداعم لرؤيته في أحداث معينة، وعقب استيضاحاتٍ ربما لم تكن متاحة في وقتها لجمال عبد الناصر نفسه الذي لم يكن يعلم بالتأكيد ما ستؤول إليه الأمور بعد العبور لسيناء واستردادها من اسرائيل من اعترافٍ بها لم يقبل به هو رغم هزيمته، ويصبح عامل التشويق هنا مؤجلاً لصالحِ عاملِ التدبُّرِ في التاريخي والقيمي والحكم على عبد الناصر في أكثر لحظات ضعفه ومحاصرته، وقبل وفاته ببضعة أشهر، في رؤيةٍ مكثفةٍ استطاعت إعادة قراءة وتقديم وقائع الوعي بعد حدوثِها بأكثرِ من نصفِ قرنٍ في رواية (1970).


<a href="#_ftnref1" name="_ftn1" title=">[1]- رامانسلدن: النظرية الأدبية المعاصرة، ترجمة: د.جابر عصفور، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة، 1991، ص31.

<a href="#_ftnref2" name="_ftn2" title=">[2] - جيرار جينيت: خكاب الحكاية : بحث في المنهج، ترجمة: محمد معتصم، وعبد الجليل الأزدي، وعمر حلي، ط2، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 1997م، صـ 116م

"