رأيت موظفين لبنانيين يعملون على أساس عقود مؤقتة تُجدد على مدى سنين أحياناً بدون…
موظف سابق في السفارة الألمانية
إبتعاد الألماني عن رشده: شهادات من داخل السفارة
"
في مناسبة العيد الثلاثين لسقوط جدار برلين، ينوه وزير الخارجية الألماني هايكو ماس في صحيفة "لو موند" بقدرات الأوروبيين على "فرض احترام قيمنا ومصالحنا في عالم تزداد فيه السلطوية".<a href="#_ftn1" name="_ftnref1" title=">[1] هل يعني ماس أن على الألمان والأوروبيين فرض قيمهم في الداخل كما في الخارج؟ وما طبيعة تلك القيم التي يتكلم عنها يا ترى؟ وهل تصبح ألمانيا الشرطي الجديد لمنطقتنا، تحت مظلة أوروبية؟<a href="#_ftn2" name="_ftnref2" title=">[2]
إذا نظرنا إلى تدخلات ألمانيا السياسية والعسكرية في العالم وفي منطقتنا منذ سقوط جدار برلين، نرى أن معظمها كان كارثياً على شعوب المناطق المستهدفة. فمن دعم ألمانيا لاتفاق اوسلو سيء الذكر وللصهيونية بشكل عام (علماً بأن وجود مستعمرات ألمانية في فلسطين يعود إلى القرن التاسع عشر) إلى محاولة تدمير سوريا و السطو على ثروات ليبيا وإفريقيا، مروراً بتفكيك يوغسلافيا ومجازر رواندا، تخرج يد سياسة ألمانيا الخارجية دوماً ملطخة بدماء الملايين من الأبرياء، وهي شريك أساسي في حروب الناتو التدميرية.
أما في ما يخص سوريا، فهي اتبعت تعليمات محاضر سابق في الجامعة الأميركية في بيروت ومدير معهد دراسات سياسية رسمي له علاقات وثيقة بـ"صقور" الناتو وهو فولكر برتس، أوصى بدعم الإخوان المسلمين في سوريا والمنطقة.
صار معلومًا مدى الدمار الذي خلفته هذه الحماقة في سوريا ولبنان وما زالت تنتجه. الملفت أنه بالرغم من أن قسماً كبيراً من الطاقم السياسي الألماني أدرك مدى غباء وخطورة هذه السياسة منذ البداية، فإن الحكومة الألمانية لا تزال تسترسل فيها مجاراة لسيدها الأمريكي وطمعاً ببعض شذرات النفط هنا أوهناك.
ورغم كل ذلك، يتذكر المرء أحياناً أن ألمانيا هي بلاد الطبيعة الخلابة، بلاد غوته وأينشتاين، باخ و بيتهوفن، بلاد الفلاسفة والعلماء والمتاحف والجامعات العريقة، ويتوقع أن تشع على ربوعنا وحي الحكمة والحوار والحل السلمي للنزاعات. وإذ بها عوضاً عن ذلك تدعم فصائل مسلحة (على اختلاف تسمياتها) ساهمت في تحويل سوريا إلى ركام وأغدقت أكثر من مليون نازح على بلد صغير ومتضعضع كلبنان. واستقبال النازحين هو فريضة في زمن الحرب وقد أدرك الكثيرمن اللبنانيين ذلك، مبدين حسن النية ومقدمين الإغاثة، لكن سرعان ما أيقنوا أنه يتم استغلالهم من قبل قوى الغرب والاستعمار الجديد من أجل إفراغ سوريا من قواها الحية، بينما يتم تقييد رحيل النازحين إلى أوروبا، الولايات المتحدة أو بلدان الخليج العربي الممولة للحرب.
وما زلت أذكر زيارة رئيسة سابقة لحزب الخضر الألماني (الموالي للناتو) عندما سألت نواباً لبنانيين، في خضم الحرب السورية: "ماذا تفعلون في سبيل تحفيز دور النساء في البرلمان اللبناني؟". بغض النظر عن صواب سؤالها، هل كان أحد من السادة الكرام ليجرؤ على سؤالها: "ماذا تفعل ألمانيا القوة العظمى في سبيل وقف القتال في سوريا؟".
وفي صب الزيت الألماني على النار السورية، لعب حزب "الخضر" هذا وما زال يلعب دوراً وازناً. ففي وجود حرب يموت فيها الأبرياء و المدنيون، أي إنسان جدير بهذا الإسم سيسعى إلى وقف القتال كأولوية قصوى ومن بعدها فقط الانتقال إلى حل المواضيع المتنازع عليها، من ديموقراطية وغير.
لكن لا، بقيت الحكومة الألمانية ومعها "الخضر" تقدم دعمها "للثوار المعتدلين" (وهم ككائن "لوخ نس" الذي سمع عنه الجميع ولم يره أحد.) فهؤلاء معتدلون يجلسون في صالوناتهم يهتفون سلمياً للديموقراطية فيما تتهاوى القذائف من حولهم مودية بالمدنيين العزل، أم مسلحون يستعملون ذخائر "معتدلة"؟ علماً بأن طبيعة هذا الدعم الحقيقية لا يزال جزء كبير منها طيّ الكتمان.<a href="#_ftn3" name="_ftnref3" title=">[3]
أما الأفلام الوثائقية عن "جرائم النظام" وسجن تدمر التي تروج لها المؤسسات السياسية التابعة للأحزاب الألمانية (كما فعلت "هاينرخ بول" التابعة لحزب "الخضر" في أوائل العام الماضي في بيروت) فهي حتماً لا تشجع الحوار أو الحل السياسي في ظل حرب كهذه، بل ليس بوسعها إلا أن تطيل أمد الحرب.
لكن المسؤولين الألمان ليسوا آبهين بكل ذلك، فهم جالسون خلف مكاتبهم في برلين، يلعبون الشطرنج بشعوب منطقتنا مع حلفائهم في "الناتو"، يعتاشون من دماء أطفال منطقتنا، كأن شيئاً لم يتغير منذ مؤتمر برلين الاستعماري في 1885 عندما تقاسم الأوروبيون غنائم القارة الإفريقية في ما بينهم. ويا لسخرية التاريخ (الذي، كما نعلم، يعيد نفسه) أن يعقد مؤتمر برلين لليبيا في 19 يناير 2020 لتقاسم غنائم ليبيا النفطية تحت ذريعة حفظ السلام!.<a href="#_ftn4" name="_ftnref4" title=">[4]
والعقلية الاستعمارية لم تفارق حتى اليوم سياسة الأوروبيين، كما لم تفارق عقدة الدونية شعوب منطقتنا. فتخيل مثلاً أن تدعم الحكومة السورية فصائل معارضة في ألمانيا بالمؤتمرات واللوجستية وتدعو إلى قلب النظام الألماني! لن تخطر فكرة المعاملة بالمثل على أي سوري أو ألماني.
تنفق الحكومة الألمانية مبالغ طائلة في مجال التعاون ومساعدة البلدان النامية ولكن، شأنها شأن جميع البلدان الغربية، ما تعطيه باليد اليمنى تعود وتسترجعه أضعافاً وبطرق مختلفة باليد الأخرى، إن كان عبر شراء الولاءات أو هجرة الأدمغة أو فسح المجال أمام التدخلات العسكرية للسيطرة على الثروات. أما المساعدات التي تنفقها الدولة الألمانية على إغاثة النازحين السوريين في لبنان، فإن قسماً كبيراً منها يهدف إلى إبقاء النازحين في لبنان وثنيهم عن العودة، في وقت أصبحت معظم الأراضي السورية الشاسعة آمنة وتحتاج لأهاليها، بينما لبنان في حجمه الميكروسكوبي يتخبط في أزمات لا تحصى.
وموقع وزارة التعاون الألمانية الإلكتروني واضح في شأن الحثّ على توطين النازحين السوريين في لبنان، حيث يؤكد أن الوزارة تساعد النازحين السوريين على تأمين الوظائف في بلاد النزوح وتدعم "البيئات الحاضنة".<a href="#_ftn5" name="_ftnref5" title=">[5]
وكانت قد بقيت في ذهني بعض الأوهام عن ألمانيا غوته وإيمانويل كانت وبلاد الثقافة والدراسة عندما التحقتُ للعمل بسفارتها في لبنان قبل بضع سنين. ولكن ما لبثت أن تحطمت كل أوهامي على صخور المعاملة السيئة والبعيدة تمامًا عن الإنسانية. فما رأيته كان انعكاساً تاماً للذهنية الكولونيالية الآنفة الذكر.
وربما كان عليّ أن أقرأ الإشارات منذ البداية. فعند إجراء امتحان لغوي أوليّ للوظيفة في مبنى السفارة وبرفقة منافس ثانٍ على المنصب، حلّ فجأةً وقت الغداء ورمانا المسؤول الإداري الألماني إلى الشارع تحت شمس شهر أغسطس عند ذروة الظهر (بحجة أنه لا يمكنه تركنا لوحدنا في الصالة وبرغم وجود حرس غفير)، ريثما ينتهي هو من التهام وليمته. وهل كان لي أن أتعجب، بعد أن باشرت عملي هناك، من رؤية المسؤول الإداري نفسه يترك المئات، لا بل الآلاف من طالبي التأشيرات من النازحين السوريين يقبعون لساعات طويلة في صقيع الشتاء ولهيب الصيف أمام السفارة، من دون أن يكلف نفسه عناء استحضار "كونتاينر" أو أي نوع من الملجأ لهم، وذلك على مدى سنين، في أوج الحرب السورية؟ مع العلم بأنّ الحالات الإنسانية من اللجوء السوري التي فتحت ألمانيا أبوابها لها تمثل نسبة ضئيلة جداً من المجموع، بينما الكمّ الأكبر كان له علاقة بحاجات سوق العمل الألماني الملحّة وبالضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على الألمان لإفراغ سوريا من قواها الحية (كما سبق وأفرغت قسماً وفيراً من جنوب لبنان من سكانه في الثمانينات تحت الضغط نفسه).
ورأيت المسؤول الإداري عينه يصرخ مراراً في وجه موظف لبناني لكي يقوم بعمل تافه لا يدخل أصلاً في نطاق مسؤولياته، وثمّ يرسل حرس السفارة لكي يعطوا نفس الأوامر للموظف اللبناني بنبرة تهديدية (في مشاهد قد تذكر بمعسكرات الحرب العالمية الثانية أو.. بسجن تدمر). وطبعاً ما كان المدير الألماني ليجرؤ على التصرف بالطريقة ذاتها مع زميل ألماني. وعندما رفض الموظف اللبناني تنفيذ العمل (وهذا ضمن حقه)، لم يُجدد عقده ولم يعط له أي تفسير. وكان هذا المسؤول الألماني بدائياً إلى حد الكاريكاتور، كتاباته لا وضوح فيها ولا منطق، يحور الحقائق على مزاجه، وإذا أراد موظف لبناني أن يزوره في مكتبه، يطرده أحياناً قبل أن يدخل، بمجرد حركة يد، كمن يكش الذباب.
رأيت موظفين لبنانيين يعملون على أساس عقود مؤقتة تُجدد على مدى سنين أحياناً بدون أن يتم تثبيت الموظف. ويعطي ذلك تلقائياً الحرية للألمان بأن يرفضوا تجديد عقد الموظف اللبناني حينما يشاؤون من دون إعطائه أي تبرير. وبعض الألمان كان يستغل هذا الظرف لمعاملة الموظفين اللبنانيين غير المثبتين كما يحلو لهم (والقانون اللبناني لا يحمي الموظف من التنمر أو التحرش، والألمان يعلمون ذلك تماماً). رأيت موظفين لبنانيين مثبتين (والموظف المثبت يصعب فصله) يستغلون وضع زملائهم غير المثبتين المتأرجح للتحرش بهم ومضايقتهم لكي يتم فصلهم، لمجرد مسائل غيرة أو منافسة أو طائفية، والمسؤولون الألمان في السفارة لا يتحرك لهم ساكن لهذا التحرش (عندما لا يكونون متواطئين). وكما قال لي زميل لبناني آنذاك، قد يرجع ذلك لقلة اكتراث الألمان بشكل عام لمآسي الآخرين.
رأيت موظفين ألمان يستغلون سلطتهم شبه التامة على زملائهم اللبنانيين لكي يلصقوا بهم أخطاءهم وبشكل ممنهج، حتى أن زميلة لبنانية أخبرتني أن زميلاً ألمانياً قال لها مرة، وبنبرة تخلو من المزاح: "من الجيد أن يكون الموظفون اللبنانيون هنا لكي نستطيع أن نركلهم في مؤخرتهم".
رأيت سفيراً مصاباً بنرجسية حادة يتلذّذ في إذلال وإهانة زملائه في العلن ونصب "الأفخاخ" لهم. رأيت فساداً و "بوطاً" ومعاداة لل"مثلية" في سفارة بلاد تملي على سائر البلدان مفاهيم حقوق الإنسان وحسن المعاملة وحقّ الاختلاف. ورأيت موظفين ألمان يستغلون حسن ضيافة زملائهم اللبنانيين بينما هم يبحثون عن التوفير (فيما رواتبهم الباهظة لا تقاس برواتب زملائهم اللبنانيين).
رأيت مدير معهد ثقافي ألماني يمارس التنمر والإرهاب المعنوي ضد عدة موظفين لبنانيين أكفاء لكي يجبرهم على الرحيل ويستبدلهم بآخرين محسوبين عليه. وأخبرني معاونه كيف ذاق الأمرين خلال السنين الخمس التي قضاها المدير في لبنان من دون أن يجرؤ على الاعتراض. بعيد رحيل المدير إلى منصبه الجديد في الفيليبين، أصيب المعاون بورم في الدماغ وتوفي خلال عام! والإدارة المركزية على علم بتعديات ذاك المدير لكن قوانينها لا تسمح لها بصرفه طالما لم يقم بسرقة (كأن الفساد المعنوي والإنساني لا وجود له). رأيت كل ذلك وأدركت للمرة الأولى معنى عبارة "تفاهة الشر" التي تحدثت عنها حنه أرندت.
وإن أرسلت شكوى للخارجية الألمانية، فهي تنكر كل شيء بكل فوقية، لا بل وتزيّف الحقائق. فهل يعترف أي ألماني بخطئه لغير ألماني، حتى وهو يعرف أنه أجحف بحقه؟ أم أن الاعتذار المتكرّر لليهود قد أعفاه عن أي اعتذار آخر؟
فهل هذه هي القيم التي يريد ماس فرض احترامها؟ وهل ينوي فرضها كما فعل أسلافه في إفريقيا في زمن ليس ببعيد، أي حاملين الانجيل البروتستانتي في يد والسوط<a href="#_ftn6" name="_ftnref6" title=">[6] في يد أخرى؟ أم يبدو أنه وجد طريقة أكثر نعومة؟
وهل يطبق الألمان نفس القيم والمعاييرعندما يكونون في الداخل أو في الخارج؟ أم يطلقون في الخارج العنان لعنصرية مكبوتة لا يتجرؤون عليها دائماً في بلادهم؟ علماً بأن العمال الألمان والغربيين يتقاضون تلقائياً أضعاف رواتب اللبنانيين والعرب (للكفاءات نفسها) في شركات الخليج والمنطقة بناء فقط على جنسياتهم.
وهل يعود "الألماني إلى رشده" (تنويهاً برواية رشيد الضعيف)؟ وإلى قيم لايبنتز وروزا لوكسمبرغ وغيرهم من الحكماء؟ وإلى أولوية دور ألمانيا في تعريف العالم على ثقافتها من دون فوقية أو كولونيالية ودورها في تحفيز السلم والمساواة بين الشعوب الذي أثنى عليه غوته، وليس فقط من خلال الكلام الفارغ؟ أم تستمر ألمانيا في مجاراة السياسات الأميركية التي تقتل أطفال اليمن وتشد الخناق على شعب لبنان وسوريا، دافعة به إلى الهاوية؟ وهل تنفض ألمانيا عن كاهلها طبقتها السياسية الفاسدة المرتهنة بالكامل للولايات المتحدة و"إسرائيل"؟
وهل يعي ماس مدى أهمية انتقاء الموظفين الذين يمثلون بلاده في الخارج وأهميّة إخضاعهم لفحوص نفسية وأخلاقية (وإن ركّزت ألمانيا على الثقافة والعلم بدل التوسع العسكري فتستطيع تقليص عدد وحجم سفاراتها)؟ وهل تعلّمت ألمانيا حقاً وحقيقاً من دروس تاريخها أم لم تزل العقلية التي ولدت ذلك التاريخ تتأجج تحت الرماد؟
يجب أن يعلّمها هذا التاريخ على الأقلّ، أنّ الإستثمار في حسن المعاملة والإحساس الإنساني والأخلاق قد يكون أهم بكثير من "الإستثمار في التكنولوجيا العالية والتحول الرقمي" الذي دعا إليه ماس في مقالة "لو موند".
- مهداة إلى ذكرى عبدالله ع. الذي لم تذهب تضحياته سدى.
<a href="#_ftnref1" name="_ftn1" style="color:blue; text-decoration:underline" title=">[1] https://www.lemonde.fr/idees/article/2019/11/02/ou-etiez-vous-lorsque-le-mur-de-berlin-est-tombe_6017771_3232.html
<a href="#_ftnref2" name="_ftn2" style="color:blue; text-decoration:underline" title=">[2] https://www.voltairenet.org/article208102.html
<a href="#_ftnref3" name="_ftn3" style="color:blue; text-decoration:underline" title=">[3] https://telegra.ph/Syria-Germany-has-discreetly-paid-nearly-50-million-to-rebels-in-Idleb-11-11
<a href="#_ftnref4" name="_ftn4" style="color:blue; text-decoration:underline" title=">[4] https://www.al-akhbar.com/Morocco/282784/%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1-%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7-%D8%A3%D9%88%D9%84%D8%A7--%D8%AB%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%AF%D9%86
<a href="#_ftnref5" name="_ftn5" style="color:blue; text-decoration:underline" title=">[5] https://www.bmz.de/en/countries_regions/naher_osten_mittelmeer/syrien/index.html
<a href="#_ftnref6" name="_ftn6" style="color:blue; text-decoration:underline" title=">[6] https://www.stuttgarter-zeitung.de/inhalt.rueckkehr-von-peitsche-und-bibel-fallstricke-auf-historischer-mission-nach-namibia.ba452f99-808a-42b1-b94d-2aeaca8fdd1e.html