مقال حول العلاقات السنية الشيعية في قراءة جديدة للتاريخ الجدلي بينهما

مرتضى عباس

جبل عامل وصلاح الدين

مع دخول حزب الله الحرب ضد العدوان الإسرائيلي-الأميركي، في الثاني من آذار/ مارس الماضي، تعود الأنظار إلى جنوب لبنان، المسرح الأساسي للجبهة اللبنانية، ذلك الفضاء المتاخم للأرض المحتلة والذي شهد أكثر عدد من جولات الصراع مع إسرائيل خارج فلسطين التاريخية. تحاول هذه المقالة تقديم إطلالة غير سائدة على الجنوب، أو "جبل عامل"، وفق تسميته التاريخية، للمساهمة في التعرّف أكثر إلى البقعة التي تستولد منذ عقود المقاومة ضد الاستعمار الغربي والمشروع الصهيوني، بنسخ عديدة وأنماط متعددة ودرجات متفاوتة.
ولا تخفي المحاولة هنا، بعودتها الموجزة إلى فصول من قصة جبل عامل مع الحروب الصليبية، إقامة وصلة بين الاجتماع الجنوبي وهويته وتاريخ تشكّله ربطاً بحاضر مقاومة الاحتلال الإسرائيلي والتحالف مع حركات المقاومة في فلسطين. هذا الربط يطل بدوره على المسألة المذهبية المثارة كل مرة، سواء لهوية حزب الله الشيعية أو هوية بيئته في الجنوب خاصة، لا للخوض في إشكالياتها أو تجاوزها بالتبسيط، إنما للتأمّل في تجاربها ولإضافة بُعدٍ قد يسهم في تنويع القراءات، أو في شرح أن تماهي هذا الفضاء، باجتماعه وجغرافيته، مع قضايا الأمة، ليس منبتاً عن جذر تاريخي بل قديم قدم تشكّل الاجتماع في جبل عامل.
أول ما يبدأ القارئ يطالع كتاب محمد مختار الشنقيطي "أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية" ينصرف الذهن إلى انطباع أن وراء البحث دعوة لمحاكاة التطبيق المعاصر لجانب التعاون المذهبي بوجه الصليبيين على مواجهة الغزو الصهيوني لشدة التشابه بين الغزوين وما يحيط بهما من توترات أهلية في بلادنا. وفي محاولة ما يسمّيها الشنقيطي "بناء ماضٍ جديد" يراه ضرورياً يستعرض التحالفات السنية الشيعية ضد الصليبيين كما في حلب وطرابلس وغيرها، ثم يخلص، في تناوله عهد صلاح الدين الأيوبي، إلى نشوء تحالف بين السنة والشيعة الإمامية في عصره. وشاهداه الأساسيان على ذلك شخصيتا طلائع بن رزّيك الأرمني، وهو إمامي تولّى الوزارة لدى الفاطميين الإسماعيليين، وحسام الدين بشارة العاملي، وهو أحد أمراء جيش صلاح الدين.
يعرض الكتاب على نحو خاطف لقراءات المؤرخ اللبناني الشيخ جعفر المهاجر، للأمير بشارة، والتي نرى أهمية التوسّع بها لتخصّصها في موضوعنا هنا وكمفتاح لتشكّل الاجتماع العاملي وميراث مقاومة الغزوات فيه.
في الجهد التأريخي المشهور عن جبل عامل اعتدنا غياب الجواب عن سؤال: كيف ومتى بالضبط حصل هذا الاجتماع الراسخ والمتواصل للمسلمين الشيعة الإمامية على مدى قرون في المنطقة بين نهر الأولي شمالاً وجبل الشيخ شرقاً والجليل الأدنى جنوباً والبحر غرباً.

في كتاب "أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية" دعوة لمحاكاة التعاون بوجه الصليبيين ا

طبعاً ثمة إجابة جاهزة في الموروث العاملي هي عبارة عن أسطورة تتناقل ولا تقف على أي سند تأريخي، وهي بإيجاز أن هذا الحضور ممتد منذ صدر الإسلام تأثراً بحضور الصحابي أبي ذر الغفاري إلى بلاد الشام بدعوى موالاته للإمام علي. بينما الصحيح أن الحضور الشيعي في جبل عامل كان مبتدأه الموثّق أدنى من ذلك بكثير: مع الحروب الصليبية ليس إلا، ولا يسبق ما يعتدّ به البتة.
وقد نجح المهاجر في دحض تلك الأسطورة سهلة الدحض، مع معاصرين آخرين، إلا أن ما ميّز تأريخ المهاجر لجبل عامل أنه قدّم إجابة منهجية على سؤال: متى ظهر الشيعة فجأة في جبل عامل ومن أين جاءوا؟ إذ بيّنت خلاصاته أن الغزو الصليبي وما تبع إقامة مملكة القدس من مجازر تسبب في تهجير واسع من فلسطين وأن أهل وادي الأردن الخصيب القريبين (وسمّيت الهضاب القريبة شمالهم والمتصلة بالجليل على اسم العامليين منهم أي أبناء قبيلة عاملة العربية التي قدمت من اليمن بعد انهيار سد مأرب)، لا سيما أهل طبرية ونابلس، لجأوا إلى الجبل، وصادف أن كانوا شيعة بالأساس. ويورد في هذا تفاصيل كثيرة في كتابه "التأسيس لتاريخ الشيعة في لبنان وسورية" لا مجال لعرضها، إلا أنها تفيد - للمفارقة - ترجيح الأصول الفلسطينية والأردنية (وفق هوياتنا الوطنية المعاصرة) لسكان الجبل، أو بالأحرى سكان "جند الأردن" وفق التصنيفات الإدارية القديمة لبلاد الشام والذي ضم مثلث درعا-طبرية-عكا وكان مركزه طبرية. هكذا بعثر العنف الصليبي التوزع الديمغرافي وعمل فيه تشتيتاً وإعادة تشكيل.
مع حركة صلاح الدين الأيوبي، وبعد محطة التكوين الاجتماعي تلك عبر المهجّرين، سيدخل الجبل محطته الثانية: الاستقرار على شكله الحالي. يشير المهاجر في بحث بعنوان "جبل عامل تحت الاحتلال الصليبي" إلى معركة سهل مرجعيون بين المسلمين والصليبيين في ١٠ حزيران ١١٧٩ حيث شهدت أول نصر بحجمه للمسلمين انقلب بعدها حال العامليين من المهادنة والضعف إلى جهاد الصليبيين، وبات من بعدها لأربع سنوات تلت مجرى نهر الليطاني الذي يشق المنطقة جغرافيا التماس الساخنة بين المعسكرين وقد اتخذت غالباً، لضعف المسلمين قبل حطين، طابع حرب الاستنزاف بالغارات الخاطفة إلى أن ارتكب ملك القدس بلدوين الرابع خطأ التوجّه إلى الأردن لتأديب أرناط حاكم إقطاعية الكرك النزق. انكشف الجبل والجليل لفراغهما من القوات المنشغلة فتحرّرت أول بقعة عاملية إذ نجح فرّوخ شاه بالاستيلاء على قلعة الشقيف أرنون أهم القلاع الصليبية.
لكن الحاسم في استقرار الجبل ومشاركته في جهاد الصليبين سيكون، وفق تأريخ المهاجر، أوّل أمير منه عليه هو أحد أمراء جيش صلاح الدين السالف الذكر، حسام الدين بشارة، وسيعرف الجبل أو بعضه أحياناً على اسمه لاحقاً: "بلاد بشارة"، كما كانت فرقته تعرف بـ"عسكر بشارة". وللمهاجر بحث آخر مخصص للأمير بشارة بعنوان "أمير جبل عامل". وقد ولّي بشارة إمارة عكا وبانياس (قلعة في جبل الشيخ) وجبل عامل (ومركزه كانت قلعة تبنين)، ويظهر أنه الوحيد بين أمراء جيش صلاح الدين الذي كان عربي الأصل وشيعي المذهب.
يسهم التنقيب التاريخي للمهاجر في مصالحة شيعية مع صلاح الدين من بعض الجوانب بل المفارقة أنها تعطي الفضل على نحو غير مباشر في استقرار جبل عامل على ما هو عليه للأيوبيين ممثلين بصلاح الدين ونجله الملك الأفضل عبر توليتهم الأمير بشارة في ظلال اندماج سياسي واتحاد مذهبي ضد عدو جامع للأمة، رغم كل ما سبق من توترات وصدامات مذهبية أيام نور الدين زنكي في حلب، وهو ما يغيب عن الروايات السائدة ويضيع بين الأساطير والتعصّبات المذهبية، ولو أن التأريخ بنظرة إيجابية للعلاقة قديم قدم كتاب ابن أبي طيء: "كنز الموحدين في سيرة صلاح الدين". وهو تأريخ يصبّ كذلك في دعوة الشنقيطي إلى "بناء ماض جديد"، نحتاجه في المناسبة التي افتتحنا بها حديثنا: الحرب الدائرة اليوم في جبل عامل والذي صار اسمه منذ قرن جنوب لبنان بعد أن ألحقه بجبل لبنان تقسيم الاستعمار البلاد العربية. أمّا في الحرب هذه، فقد لا تكون المقاومة بصدد حطين ثانية حاسمة، يزعم الصهاينة أنهم يريدون إحباطها أو منع فرصة حدوثها يوماً، لكن ربما ما في متناولها أن تصنع في هذه المعركة مقدمة تشبه معركة سهل مرجعيون الآنفة الذكر. يومها، كما يرد في بحث المهاجر أعلاه (جبل عامل تحت الاحتلال الصليبي)، وبعد أن قرّر الصليبيون أن يلقّنوا صلاح الدين درساً قاسياً عقاباً على غاراته على الصليبيين "يمنعه من التفكير بأن ينتزع المبادرة العسكرية منهم":
"جمعوا على عجل قوة هائلة… بقيادة بلدوين ملك القدس. واتجه الجيش الكبير شمالاً إلى حيث رصدت القوات الإسلامية المغيرة، التي كانت في حالة تشتت. دون أن تعرف بما يبيت لها. وعلى الرغم من التفوق العددي الكبير للقوات الصليبية، وامتلاكها لعنصر المفاجأة، فإن تورطها في أخطاء تكتيكية واضحة، ربما لاستهانتها بعدوّها، قد أدّى في النهاية إلى إنزال هزيمة ساحقة بها".