عبثاً تحاول البحث عن موقع الشراونة على محرك 'غوغل'". وقد لا تتفاجأ عندما تطالعك…

بتول عبد الساتر

جمهورية الشراونة تطلب العفو: الجزء الأول

"

"علم لبنان يا غالي، طير ورفرف بالعالي"، تغني ريحانة بفرح، "تلت ألوان مش أكتر أحمر، أبيض، والأخضر". تسكت هنيهة ثم تنظر ببراءة طفلة السنوات الخمس إلى والدتها وهي تنفض آخر قطعة غسيل قبل نشرها: "ماما، علم لبنان أليس ذاك المرسوم على الحائط قرب العسكري على الحاجز؟".

تضحك الأم متنهدة "بلى يا طفلتي، هو ذاك... علم الشحار"، حاولت ريحانة الغناء مجدداً. ولكن هذه المرة كان صوت الرصاص أعلى صدى من نعومة صوتها. حملتها أمها مسرعةً ودخلت المنزل، أحكمت إغلاق الأبواب، جلست وقد ضمت رأس ابنتها الصغير إلى صدرها لتتمتم آيات قرآنية (أو ربما كانت تكيل الشتائم ككل مرة للساعة التي انتقلت فيها إلى هذا الحي). ما إن خفت صوت الرصاص والقذائف حتى نظرت عينيّ طفلتها وابتسمت: "غنيّ لي مجدداً، علم لبنان يا غالي" قاطعتها الطفلة قائلة: "ولكن نحن بالشراونة يا ماما".

 

على الخريطة

عبثاً تحاول البحث عن موقع الشراونة على محرك "غوغل". وقد لا تتفاجأ عندما تطالعك عناوين "فورة غضب"، "اشتباكات حي الشراونة"، "إطلاق نار وقذائف" أو في أحسن الأحوال "ساد الهدوء". عناوين بتواريخ متعددة حتى يُخيل لك أن الشراونة منطقة عسكرية محاصرة يقطنها "مطاليب المجرة". وبالطبع لا يهم أين تقع لأن أحداً لن يجرؤ دخولها، ولا كم تبلغ مساحتها وعدد سكانها، فالبريء هنا "متهم حتى تثبت براءته" أو يقبضه الله إليه في محاولة من محاولات السلطة "تثبيت الأمن". وعندما أخبرك الآن بأن الشراونة تقع في منطقة بعلبك الهرمل سينتابك شعور بالرضا، فالأمر ليس هجيناً بالنسبة لما سمعته في الإعلام عن هذه المنطقة.

يُعتبر حي الشراونة جزءًا لا يتجزأ من ضواحي بعلبك والقرى المحيطة على امتداد خط بعلبك الهرمل. هو جزء من قضاء تبلغ مساحته 2278 كم2، موسوم على وسائل الإعلام وفي أذهن اللبنانيين بأنه مقر الطفّار، والحشيشة والسرقة، والعصابات، وكأنه "الإبن العاق الذي يجلب الشتيمة لوالديه"، أما الحقيقة فتكم في أن لهذا الابن العاق رأيٌ آخر، وهو ما ينبغي علينا سماعه.

 

تأشيرة الدخول

"لا تفكري بالأمر، إذا دخلتِ الشراونة سأغضب عليكِ غضباً شديداً" تقول الوالدة وهي تنهال على الاختصاص والجامعة "بدعاوي" ما أنزل الله بها من سلطان، "تدخلين عامودياً وتخرجين أفقياً! سامحني يا الله لقد ربيتِ مجنونة!" تكمل سيل الغضب الذي تنهال به على رأسي وأنا أحاول عبثاً طمأنتها، مع أن بيت الوالدة  يبعد عن الشراونة ربع ساعة فقط! إلا أن أغلب أهالي بعلبك ينظرون على أنه منطقة معزولة، يتحدثون عنها وكأنها جبهة قتالٍ أو فوهة بركان لا ينبغي الاقتراب منها، وإذا قررت الدخول يوماً ينصحونك بأن تنسق مع أحد أبناء الحي لمرافقتك وكلما كان مركزه بين الأهالي مرموقاً كان ذلك أفضل، حتى أن البعض قد ينصحك بأن ترافق أحد المطاليب باعتباره تأشيرة دخول إلى الحي، ولكن خلافاً لهذه الأعراف دخلنا عزّلاً دون أن تأشيرة.

 

ادخلوها بسلام آمنين

على مدخل الحي بعد السندباد (مطعم معروف في الجهة الجنوبية لقلعة بعلبك) يستقبلك الحاجز الذي تحدثت عنه ريحانة، حاجزٌ رُسم على سواتره العلم اللبناني، يقف عنده شبابٌ من الجيش اللبناني مهمته رد التحية على المواطنين العابرين من بعلبك إلى الضفة الأخرى لبث الطمأنينة في نفوسهم، ملاحظة عزيزي القارئ: عندما تحتدم المعارك في الحي، ستكون هذه الحواجز خالية من جنودها، إلا فيما ندر، وذلك بحسب طبيعة "المشكل". إذ غالباً ما يقف الجيش على الحياد عند الاشتباكات".

وعلى عكس المتصوَّر، يعتبر أهالي الحي بأن الجيش مغلوب على أمره، فهو مرتهن لقرار قيادته. وعليه، هم لا يحملونه مسؤولية تفلت الوضع الأمني، وغالباً ما تنظر أمهات الحي إلى العساكر بعين التعاطف والأسى، "حرام! ما ذنب هؤلاء العساكر ليقفوا طيلة النهار على هذه الحواجز!" تقول إحداهن.

تتوغل يساراً لتصل إلى عمق الحي، على جانبي الطريق بيوتٌ أعلاها مؤلف من ثلاثة طوابق، قد نخر الرصاص جوانبها، يبتسم لك الأطفال وهم يلعبون الكرة في أزقة الحي. الشوارع هنا لم "تزفت" منذ خمسة عشر عاماً كحال معظم طرقات بعلبك. "بعض المطبات لا تضر بالصحة". على يمين الطريق "فِيلاّ" ضخمة في باحتها سيارتَي جيب، على اليسار دكانة بسيطة؛ جزء من بيتٍ تبدو بساطته للعيان. فرق شاسع بين بيوتٍ تلوح بالثراء وبيوتٍ تبكي الفقر. ومع ذلك لا شيء أجمل من ابتسامة الفقراء وهم يرحبّون بك ضيفاً. "أهلاً وسهلاً" تستقبلنا عاطفة نون قائلة: "الحياة طبيعية هنا، كل شيء طبيعي هنا إلا الدولة". ليلةٌ الاشتباكات هي بالنسبة لأهالي الحي ليلة ممطرة بالرصاص والقذائف، لا أكثر، يعقبها فجرٌ هادئ لا خوف فيه. "هل تعتبرين أن عندنا دولة؟ طبعاً لا، لا وجود لما يسمى دولة!" تقول عطاف.

 

كواكب العمر القصير

تكمل الطريق من حي بيت جعفر وصولاً إلى آخر حد للشراونة حيث مدخل سوق الخضار الكبير. تطالعك صور شبابٍ مرفقة بعبارات "المأسوف على شبابه، الشهيد المغدور، يا كوكباً ما كان أقصر عمره". مشهدٌ ألفه أهالي الحي؛ وكأن أحداً لا يموت هنا، وكأن الكل يُقتل!.

عمري 29 سنة. دُمرت حياتي وزوجي دُفن تحت التراب وله من العمر 29 سنة! "طب ليش؟" تمسح سهى شعرها بكفيها وهي تروي لنا قصة مقتل زوجها "ذهب ليسهر مع أصدقائه وعاد محملاً ظلماً وعدواناً، لم يرتكب أي جرم أو جناية". تتسائل سهى عن الجرم الذي ارتكبه زوجها حتى يستحق القتل: "إذا كان هارباً من العدالة، ألقوا القبض عليه ولكن لا تقتلوه!" حالة سهى ليست الوحيدة هنا، فقضايا تشابه الأسماء كثيرة وضحاياها كُثر أيضاً. "كان يقول لي إذا صدر العفو العام لا أريد بعده شيئاً، لا أريد أن أعمر قصوراً ولا فلل، أريد فقط أن أنام على وسادتي مرتاحاً، أريد أن أنام قرب أطفالي بهدوء دون أن أضع يدي على سلاحي وأنا أترقب اللحظة التي يداهمون فيها المنزل ويقومون بقتلي أمام أعينكم!" تدمع عيناها ثم تكمل "متل ما حسب لاقى!، لأجل من بقي فينا كل ما نريده هو العفو العام!.

"