لم تكن الحدود الجنوبية مجرد خط جغرافي يفصل بين لبنان وفلسطين المحتلة
The editor
بنت جبيل ترسم الشرق الأوسط الجديد
لم تكن الحدود الجنوبية مجرد خط جغرافي يفصل بين لبنان وفلسطين المحتلة، بل مساحة يتقاطع فيها المحلي والإقليمي، وتلتقي فيها حسابات القوى الكبرى مع واقع القرى الحدودية الصغيرة. من اجتياحات دولة الاحتلال المتكررة منذ أواخر السبعينيات، إلى التحرير عام 2000، ثم حرب تموز 2006، بقي الجنوب اللبناني واحداً من أكثر المواقع حساسية في الشرق الأوسط. هنا غالباً ما كانت تُرسم التحولات الكبرى قبل أن تظهر في البيانات السياسية أو المفاوضات الدولية. وما يجري اليوم يعيد تثبيت هذه الحقيقة مرة أخرى.
المواجهة الدائرة على هذه الجبهة لا يمكن قراءتها كاشتباك حدودي محدود. ما يجري هو صراع حول طبيعة التوازن الذي سيحكم المنطقة في المرحلة المقبلة، فجيش الاحتلال يسعى إلى فرض معادلة أمنية جديدة على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، تقوم على إبعاد "التهديد" عن مستوطناته وخلق واقع ميداني يمنحه تفوقاً استراتيجياً. في المقابل تعمل المقاومة على إسقاط هذا الهدف عبر منع تثبيت أي وجود عسكري دائم وتحويل أي محاولة للتقدم إلى عبء مكلف سياسياً وعسكرياً.
هذه المعادلة ليست جديدة. تاريخ الصراع على هذه الجبهة يثبت أن كل محاولة فرض واقع بالقوة كانت تنتهي بنتائج معاكسة. المنطقة الأمنية التي أقامها جيش الاحتلال بعد اجتياح عام 1982 بدت في حينه كأنها ترتيب طويل الأمد من ثم تحولت مع مرور الوقت إلى ساحة استنزاف دائمة، وانتهت بانسحاب مذل عام 2000 تحت ضربات المقاومة. وحتى في حرب تموز 2006 حاول جيش الاحتلال تغيير قواعد الردع بالقوة العسكرية، لكنه اصطدم بواقع ميداني لم يسمح له بتحقيق إنجاز واضح يمكن البناء عليه سياسياً.
اليوم تتكرر المحاولة بصيغة مختلفة. الهدف المركزي لدولة الاحتلال هو تقليص قدرة المقاومة على العمل قرب الحدود وإبعاد المواجهة عن عمق الأراضي المحتلة. لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب تثبيت وقائع ميدانية قابلة للاستمرار. فالتاريخ العسكري يبين أن أي ترتيب سياسي لا يمكن فرضه إلا إذا سبقه إنجاز واضح على الأرض.
من هنا تكتسب المعركة الحالية معناها الحقيقي. المقاومة لا تخوض المواجهة فقط من موقع الدفاع عن القرى الجنوبية. بل من موقع الدفاع عن معادلة الردع التي تشكلت خلال العقود الماضية عبر منع جيش الاحتلال من تثبيت أي موطئ قدم أو فرض منطقة عازلة، وعملياً إسقاط الأساس الذي يمكن أن يبنى عليه أي تغيير في قواعد الاشتباك.
وفي موازاة الميدان تتحرك مسارات سياسية ودبلوماسية لا تقل أهمية. العواصم الغربية، وعلى رأسها واشنطن، تحاول دفع الأمور نحو ترتيبات جديدة على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، تحت عنوان إعادة الاستقرار ومنع توسع الحرب. هذه المساعي ليست جديدة، ففي كل جولة مواجهة كانت المفاوضات تظهر سريعاً، محاولة تحويل نتائج الميدان إلى اتفاقات سياسية تنظم الحدود وتحدد قواعد الاشتباك.
غير أن المشكلة الأساسية تكمن في توقيت هذه المسارات وشروطها. فالدبلوماسية غالباً ما تحاول استباق الميدان أو الالتفاف عليه، عبر طرح صيغ تفاوضية قبل أن تتضح نتائج المعركة. في المقابل ترى المقاومة أن أي نقاش سياسي حول الحدود أو الترتيبات الأمنية لا يمكن أن يتم تحت ضغط النار أو في ظل محاولات فرض وقائع بالقوة. لذلك يصبح الميدان، مرة أخرى، هو العامل الذي يحدد سقف التفاوض وحدوده.
في هذا السياق يمكن فهم الإصرار على رفع كلفة أي محاولة تقدم لجيش الاحتلال. فكلما ارتفعت الكلفة العسكرية والسياسية أصبح من الصعب تحويل أي إنجاز ميداني إلى ورقة تفاوضية. المفاوضات في نهاية المطاف لا تقوم على النيات أو المبادرات الدبلوماسية فقط، بل على ميزان القوة الذي يتشكل على الأرض. ولذلك تبدو المعركة في الجنوب وكأنها معركة على شروط التسوية القادمة بقدر ما هي معركة على الأرض نفسها. وأهمية هذه المواجهة لا تقف عند حدود لبنان. المنطقة كلها تعيش مرحلة إعادة تشكيل للتوازنات. الحرب في غزة، التوترات المستمرة في العراق وسوريا واليمن، والاحتكاك المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، كلها عوامل تجعل أي مواجهة على الحدود اللبنانية جزءاً من صراع إقليمي أوسع. ولذلك ينظر إلى ما يجري في الجنوب باعتباره اختباراً لمعادلات القوة في الشرق الأوسط بأكمله.
و المشهد الإقليمي الذي تتحرك فيه هذه المواجهة أصبح أكثر تعقيداً. الحرب المفتوحة مع إيران، وما تبعها من ضربات متبادلة وتصعيد عسكري واسع، أدخلت المنطقة في مرحلة جديدة من الصراع. لم تعد المواجهات محصورة في ساحات محددة، بل تحولت إلى شبكة مترابطة من الجبهات. في هذه الشبكة يصبح الجنوب اللبناني جزءاً من معادلة أكبر تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تثبيت الاستقرار على هذه الجبهة لمنع توسع الحرب وتحاول دولة الاحتلال فرض شروط أمنية جديدة بالقوة. أما محور المقاومة فيرى أن أي تغيير في قواعد الاشتباك سيشكل مدخلاً لإعادة رسم موازين القوة في المنطقة. وبين هذه الحسابات المعقدة ينظر لبنان الرسمي الى أنه في قلب معادلة تتجاوز حجمه وإمكاناته.
وفي النظر الى ايران، تداعيات الحرب عليها لا تقتصر على الجانب العسكري فقط. التصعيد فتح في الوقت نفسه مساراً تفاوضياً حساساً بين طهران وواشنطن، واللقاءات التي تستضيفها باكستان في هذا السياق تعكس محاولة لإيجاد مخرج سياسي يمنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة. لكن هذه المفاوضات لا تدور حول الملف الإيراني وحده. بل تشمل شبكة القضايا المرتبطة به في المنطقة، من العراق إلى اليمن، ومن سوريا إلى لبنان.هنا تظهر المفارقة الأساسية في المشهد الحالي. هناك مساران تفاوضيان يتحركان في الوقت نفسه. الأول يتعلق بمحاولات دفع لبنان إلى مفاوضات مباشرة مع دولة الاحتلال حول الحدود والترتيبات الأمنية في الجنوب. أما الثاني فهو المسار الأوسع الذي يجمع واشنطن وطهران في إطار تفاوضي إقليمي تدور إحدى ساحاته في باكستان.المقارنة بين المسارين تكشف اختلافاً جوهرياً في طبيعة المعادلة السياسية. المسار الأول يحاول التعامل مع الأزمة في الجنوب اللبناني كقضية منفصلة يمكن حلها عبر ترتيبات حدودية أو أمنية محددة. أما المسار الثاني فيتعامل مع الجبهة اللبنانية باعتبارها جزءاً من منظومة توازنات إقليمية أوسع لا يمكن فصلها عن بقية الملفات. ولذلك تبدو محاولات فرض مفاوضات مباشرة على لبنان وكأنها محاولة لتجزئة الأزمة وفصلها عن سياقها الإقليمي. لكن الوقائع الميدانية تشير إلى أن هذا الفصل غير ممكن. فالمقاومة في لبنان تتحرك ضمن شبكة تحالفات إقليمية، وأي تغيير في قواعد الاشتباك على الحدود الجنوبية سينعكس مباشرة على توازن القوى في المنطقة كلها.لهذا السبب يصبح الميدان مرة أخرى العنصر الحاسم في تحديد مسار السياسة. إذا نجح جيش الاحتلال في فرض واقع أمني جديد في الجنوب، فإن ذلك يعطيه ورقة قوية في أي تسوية إقليمية. أما إذا بقي هذا الهدف مستحيلاً بسبب الكلفة المرتفعة التي تفرضها المقاومة، فإن ميزان التفاوض سيتغير في أكثر من عاصمة.
في مثل هذه اللحظات تتحول الجغرافيا الصغيرة إلى عنصر حاسم في التاريخ. بلدات مثل بنت جبيل ومارون الراس والخيام ليست مجرد نقاط على الخريطة. إنها مفاتيح السيطرة على امتداد الحدود الجنوبية. السيطرة عليها أو منع السيطرة عليها يحدد طبيعة التوازن العسكري في المنطقة الحدودية كلها. ولهذا تتحول هذه البلدات في كل مواجهة إلى رموز للصمود والمقاومة.
لكن العامل الأكثر حسماً في كل ذلك يبقى الكلفة. في الحروب الحديثة لا يكفي تحقيق تقدم عسكري محدود. المطلوب هو القدرة على الحفاظ عليه وتحويله إلى واقع دائم. وإذا كانت كلفة تثبيته أعلى من فائدته فإن هذا الواقع ينهار عاجلاً أم آجلاً. هذه القاعدة ظهرت بوضوح في تجارب سابقة على هذه الجبهة، وهي اليوم حاضرة في حسابات كل الأطراف.
ولهذا تبدو المواجهة الحالية وكأنها معركة حول ميزان الكلفة أكثر مما هي معركة حول الأرض نفسها. كلما ارتفعت كلفة أي محاولة تقدم لجيش الاحتلال يصبح تثبيت هذا التقدم أمراً شبه مستحيل. وكلما تعززت قدرة المقاومة على منع هذا التثبيت بقيت معادلة الردع قائمة كما تشكلت خلال العقود الماضية.
قد تبدو المعركة في الجنوب وكأنها مواجهة محدودة في رقعة جغرافية ضيقة. لكنها في الواقع جزء من صراع أوسع حول شكل المنطقة في السنوات المقبلة. الجنوب اللبناني كان دائماً أحد الميادين التي تتحدد فيها ملامح التوازن الإقليمي. وما يجري اليوم قد يكون فصلاً جديداً في هذا التاريخ الطويل، حيث تثبت الوقائع مرة أخرى أن المعارك التي تدور في القرى الحدودية قد تتحول أحياناً إلى لحظات فاصلة في مسار الشرق الأوسط كله.